جدل التصوف
تعددت تفسيرات الباحثين والدارسين لما يمكن أن ترجع إليه هذه النسبة "التصوف"، وبحسب موسوعة المفاهيم الإسلامية، الصادرة عن وزارة الأوقاف المصرية -المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - فان ثمة تفسيرات يمكن إيراد بعضها فيما يلي:
- إن التصوف مأخوذ من صفاء الأسرار ونقاء الآثار.
- إنه نسبة إلى الصف الأول من الصلاة.
- إنه نسبة إلى عمل أهل الصفة من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد لاحظ القشيري أن هذه التفسيرات ليست صحيحة من الناحية اللغوية.
- إن هذه التسمية نسبة إلى التصوف الذي هو زي الأنبياء، وشعار الصالحين والأولياء، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله، وهم يتميزون به عن أهل الرغبة في الدنيا.
ولا يرفض القشيري هذه التفسير، ولكن لا يقبله قبولاً تاماً، وفي ذلك يقول:"فأما من قال: إنه من الصوف؟ ولهذا يقال تصوف إذا لبس الصوف، كما يقال تقمص إذا لبس القميص؟ فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف"، ومع ذلك يبقى هذا التفسير هو أقرب التفسيرات إلى القبول، وإن كان شيوخ التصوف قد أوضحوا أن التصوف يهتم بالجوهر قبل المظهر، ويعنى بالحقائق والأعمال أكثر من عنايته بالرسوم والأشكال.
قد يبدو أن الجمع بين مفردتي عنوان المقال أعلاه هي من باب الجمع بين المتناقضين، أو التسوية بين الضدين، إذ كيف يكون التصوف سنياً وهو الموصوف في التصنيف الإسلامي السلفي الرائج والشائع بالبدعة والابتداع؟
يقول ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس" عن تصانيف الصوفية وكتبهم :"وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودوّنوها وقد سموها بالعلم الباطن، والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب إسحاق بن حية قال: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون.
ومما أورده ابن الجوزي أن أبا زرعة سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فانك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب، قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عز وجل عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، أبلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري والأوزاعي، والأئمة المتقدمون صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس، وهذه الأشياء، هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي، ومرة بعبد الرحيم الدَّيبلي، ومرة بحاتم الأصم، ومرة بشقيق، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع.
ولتفكيك ذاك التصور الذي يُدرج التصوف - هكذا بالجملة ومن غير تمييز - في قائمة الابتداع فان المقام يتطلب إثبات أن التصوف الإسلامي ليس نسقاً واحداً، وأن المتصوفة ليسوا طائفة واحدة، فشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يتناول التصوف والمتصوفة ينحو منحىً مختلفاً، حيث يفرق بين طوائف المتصوفة ولا يجعلهم نسقاً واحداً، يصدق عليهم حكم واحد، فهو بعد أن يشير إلى أن منشأ التصوف كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد، وأنه فيه اجتهاد، كما كان في الكوفة من يسلك طريق العبادة والزهد، وأنه فيه اجتهاد، ثم يبين أن التصوف له عندهم حقائق وأحوال معروفة وقد تكلموا في حدوده وسيرته وأخلاقه كقول بعضهم: "الصوفي من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر، واستوى عنده الذهب والحجر".
ثم يصدر حكمه مفرقاً بين طوائف الصوفية قائلا:"ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فقد تنازع الناس في طريقهم، فطائفة ذمت "الصوفية والتصوف" وقالوا: إنهم مبتدعون، خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف "كالكلام السابق عن أبي زُرعة"، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام.
وطائفة غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم في طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف أنهم ليسوا منهم: كالحلاج مثلاً، فان أكثر مشائخ الطريق أنكروه وأخرجوه من الطريق، مثل الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية" وذكره الحافظ الخطيب في "تاريخ بغداد".
ثمة رأي للشيخ أبي الحسن الندوي، أودعه في كتابه "ربانية لا رهبانية"، حيث يرى أن العبرة بالحقائق والمضامين، وليست في الأسماء والمصطلحات، فإذا كانت مفردة "التصوف" تثير تلك الحساسية المفرطة، وتجلب كل تلك الاعتراضات الصاخبة، فليتم التخلي عن استعمال تلك المفردة، ليستخدم عوضاً عنها ما يتضمن معانيها ومضامينها من الزهد والعبادة وإصلاح الباطن، وتنقية السرائر، ألا وهو المصطلح القرآني "التزكية" أو المصطلح النبوي "الإحسان".
لقد عقد الشيخ الندوي في كتابه ذاك فصلا خاصاً بعنوان: "اكتشاف جديد في شخصية ابن تيمية", في كتابه "ربانية لا رهبانية", أورد فيه أغلب ما وقع تحت يديه من وجوه وصور التعبد والتبتل والإكثار من الذكر والتخلق بأخلاق العلماء الربانيين, والتي قل ذكرها, وضعف تداولها في شخصية ابن تيمية.
وفيما يلي إيراد لبعضها: يذكر ابن القيم وهو يعدد فوائد الذكر في كتاب "الوابل الصيب"، فيقول: السادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟. السابعة عشرة: أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته، وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمة مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي ولم لم أتغدَّ سقطت قواي.
يورد ابن القيم في كتاب "مدارج السالكين" موقفاً له مع شيخه ابن تيمية - يا ليت شيوخ زماننا المعاصرين وأهل العلم فيه يتعلمون منه ويتأسون به فيه -، يقول ابن القيم: وما رأيته يدعو على أحد منهم قط - أي خصومه - وكان يدعو لهم وجئته يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال فيه.
لا يخفى أن الشيخ الندوي بعقده لذلك الفصل، ولملمته لأطراف تلك الإشراقات في حياة ابن تيميه وسيرته، أراد التدليل على جضور تلك المعاني، وتجسد تلك القيم، في حياة ذلك العلم الكبير، الذي يتخذه كثير من إسلاميي زماننا - وخصوصاً السلفيين منهم - مرجعاً موثوقاً، فلماذا لا يتم إحياء تلك المعاني، وإشاعتها وترسيخها من خلال سلوك القدوات الموجهين، وأخلاقيات العلماء القياديين، إحياء "للتزكية" القرآنية، و"الإحسان" النبوي، وليس لأي شيء آخر.
جريدة الغد - التصوف السني إحياء للتقليد الأخلاقي
ننصح لأفضل مشاهدة أن تكون درجة وضوح الشاشة1024×768
للعودة إلى صفحة البداية : إضغط هنا