ومضات على طريق الدعاة للأستاذ المصطفى ناصري
أعده ذ: عبد الرحيم مفكير
تعززت المكتبة الدعوية بالمغرب بإصدار جديد للأستاذ المصطفى ناصري اختار له من الأسماء " ومضات على طريق الدعاة" ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار هذا المؤلف رقما من بين الأرقام بقدر ما نعده إضافة نوعية في مجال تكاد الأقلام تحجم عنه ولا تستطيع ركوب صعابه، لأن ولوج هذا الباب له من التوجس والترقب لا يدركه إلا من علم بكنه وصعوبة العمل في مجاله، فهو في حاجة إلى بصيرة ودراية، وتبصر وممارسة ميدانية، ومثابرة في الحقل الدعوي. وصاحب المؤلف يسر الله من السبل ما مكنه من الخوض فيه، فهو أحد أبناء الحركة الإسلامية تربى في محاضنها، وتعرف على أساليبها التربوية و مناهجها الدعوية باختلاف مشاربها وأسسها. فقد تتلمذ على يد العلامة عبد الباري الزمزمي وصاحبه مدة ليست باليسيرة ونهل من علمه، وناب عن بعض الخطباء في خطبة الجمعة، وجمع بين ثقافة شرعية واختصاص في مجال الأدب الإنجليزي، فهو حاصل على الإجازة في الأدب الإنجليزي. كما أنه مارس التربية في سلك التعليم، ويعمل حاليا مديرا لمؤسسة تربوية، وفاعل جمعوي يسهر على تربية الأطفال كل أحد بجمعية الرسالة للتربية والتخييم ، الشيء الذي سمح له بالإطلاع على منهج التربية النبوية للأطفال، والمناهج الحديثة في تنشئتهم. وإلى جانب كل هذا فهو مراسل صحفي، وكاتب متميز، له عشرات المقالات والمساهمات في التربية والدعوة والثقافة العامة
الأسباب الدافعة لتأليف الكتاب:
يقول الأستاذ" فإذا كان أهل الصلاح على مدى العصور والدهور يعيبون على من هم دونهم فساد الحال، والسير على طريق الغواية والضلال، فإن مما أضحى اليوم معيبا على أهل الصلاح أنفسهم: تفريطهم في جنب غيرهم، وتضييعهم لفريضة الدعوة التي توجد اليوم في حال لا تحسد عليه.." وبعد أن بين أهمية الدعوة، وأفضليتها، ومكانته في الدين أكد أن هذه الاعتبارات حملته إلى كتابة سلسلة من المقالات بجريدة التجديد، وبمواقع إسلامية على الأنترنيت، تفرقت في الزمن، لكن جمع بينها محور واحد. وقد كان للإرتسامات الطيبة، وعبارات الثناء، فضل في إصدار هذا المؤلف.
إطلالة على الكتاب:
لا يختلف اثنان حول أهمية أي مبحث مهما كانت قيمته العلمية، فهو وبدون شك مفيد لباحثه أولا ولقارئه ثانيا. والمؤلف يدخل في مجال تخصص من يمارس الدعوة ويسعى لتحقق مناهجها، والتفنن في أساليبها، وإخلاص القصد، للحصول على نتائجها. فكم هي الكتب التي تناولت أساليب الدعوة، وأسسها، وبينت منهج المصطفى عليه السلام. ولكن التساؤل يبقى، كم هي الورشات التدريبية الميدانية واللقاءات التقييمية لعمل الدعاة، والدراسات النقدية التي رصدت الاختلالات. إنها تكاد تعد على رأس الأصابع كما يقال. وأذكر من بينها على سبيل الاستئناس" منهج التربية النبوية للطفل" لمحمد نور بن عبد الحفيظ سويد، و" الدعوة الفردية وأهميتها في تربية الأجيال" ل عقيل بن محمد بن زيد المقطري، و " مشكلات وحلول في حقل الدعوة" ل عبد الحميد البلالي، و" عجز الثقات" ل د: محمد موسى الشريف، و " الهمة طريق إلى القمة و " زغل الدعاة" و " مقومات الداعية الناجح" و " التوريث الدعوي" و " الترف وأثره في الدعاة والصالحين" و " التيسير ورفع الحرج في الدعوة إلى الله" وكلها وغيرها لنفس المؤلف الدكتور محمد موسى الشريف. ومن أراد الإطلاع على مؤلفات أخرى فليرجع إلى فهرس المؤلف قيد التعريف.
وقد قسمه إلى قسمين: قسم المحفزات، وقسم الآفات
ومما تضمنه قسم المحفزات: تذكيره بواجب الدعوة والحث عليها، والتحسيس بقدرها، والتحفيز على مباشرتها وممارستها في كل حال ومكان ومع سائر أصناف المدعوين، وهي التي طالها التضييع والتفريط والتعطيل، وأضحت من غير بواكي، مع الإشارة إلى ما تحتاجه من مواصفات وأدوات ومعينات وزاد.
" فالدعوة إلى الله كأي عمل شرعي بحاجة إلى تفقه وحسن اقتداء، وتفقد لمقاصدها، وتحقق من صوابها والحذر من تزيين إبليس وألاعيبه، لما يعلم من حرصه على إفساد الأعمال الصالحة وإبطالها، إذا فاته مع إتيانها، وكلما كان العمل عظيما كان كيده أعظم، واجتهاده في إفساده أكبر" ( انظر تقديم د: محمد بولوز للمؤلف)
فنحن اليوم أحوج إلى الدعوة في زمن التيه، تيه وضلال كما عبر عنه الشهيد سيد قطب، حيث اتباع الهوى والجري وراء الشهوات، وارتكاب المنكرات، بل المجاهرة بها، وتنظيم اللقاءات والمهرجانات لها ( لقاء الشواذ جنسيا، الاحتفال بعيد الخمور، ملكة الجمال.....)، ولم يحصل كل هذا إلا بتفريط أهل الدعوة في الفريضة الغائبة، فريضة الدعوة أولا، وما تتطلبه من تصحيح وتقويم، وقيام بالواجب اقتداء بخير البرية عليه السلام، والأنبياء المرسلين ومن تبعهم بإحسان. وحاجتنا اليوم ماسة إلى الدعوة الفردية والجماعية، والمخالطة الإيجابية، لاسيما بالبادية، كما لا بد للدعاة من زاد يتزودون به، مجالس تربوية هي محاضن للبناء، وحلق للذكر، رياض الجنة، بعيدا عن جذب الشيطان، اقترابا من نفحات الإيمان. فالمجلس التربوي يبقى وسيلة لإحراز العلم، وتجديد الإيمان، وبلوغ درجة اليقين، والداعية في حاجة إلى قوة العلم وقوة العمل، علم يورث الخشية من الله، ويزهد في الدنيا، ويقرب من الآخرة، علم يتبعه عمل، نية وإخلاص لله، واقتداء برسول الله عليه السلام. وعلى الداعية أن يحذر مخالفة علمه عمله، فالعلم يراد للعمل كما العمل يراد للنجاة.
أما القسم الثاني: فتناول فيه الآفات، يقول المؤلف:" فقد رصدت مجموعة من الاختلالات التربوية والخلقية والدعوية التي هي في حاجة لتقويم وتسديد، والتي لا يخلو الصف الإسلامي والدعوي من قليل أو كثير منها، حتى يتم تدارك الأمر قبل استشراء الداء، واستعصائه على العلاج والدواء"
ومن بين هذه الاختلالات ظاهرة الجفاف العاطفي، والجمود الروحي، والضمور المعنوي، والاشتغال بأمور الدنيا، والمشاغل اليومية ومتطلباتها، وطغيان المادية، وعجز الثقة، وكسله وتخاذله في الذود عن الحق والصدع به... بالإضافة إلى علامات العجب والغرور في الداعية ومظاهرهما تزكية النفس، والفرح بالعمل، وانتظار الثناء عليه وغضبه من عدم سماعه، وانتقاص أعمل الآخرين، والفرح بسماع عيوبهم ومزالقهم، والحرص الشديد على تصدر الواجهات، وعدم قبول النصيحة أو النقد..... والتفريط الظاهر للعيان في جانب العبادات والوظائف التعبدية " عمل اليوم والليلة" والذي يشمل الصلاة المفروضة ونوافلها، ونافلة الصوم، والورد القرآني، وسائر الأذكار والقربات، ذلك أن كثرة التحركات والمسؤوليات، والأعباء والواجبات التنظيمية أضحت تأخذ من الكثير من العاملين جل وقتهم وانشغالهم، حتى أنستهم فيما يربطهم بربهم، وألهتهم عنه سبحانه، وما يعد الأصل والزاد الحقيقي، الذي لا نجاة للمسلم في الآخرة إلا به.
وأهل الصحوة الدعاة مطالبون بالمحافظة على صلاة الفجر لما يترتب على انتمائهم من ضرورة إحياء شعائر الإسلام، والمحافظة عليه...
ونختم هذا التعريف المتواضع بالمؤلف بكلمة د: محمد بولوز الذي قدم المؤلف " وحق للداعية المجرب، والقلم الواعد، أخونا المصطفى، أن يوجه خطابه للدعاة من أبناء الصحوة المباركة، حتى يحكموا علمهم وحالهم وزادهم، لأنه أبدا لا يمكن التصدي للإصلاح بأدوات فاسدة، أو الدخول ف سوق التجارة الرابحة بمفاليس..."
وأقول: إن الرهان اليوم ليس فقط في القيام بواجب الدعوة، بل العمل على تحقيق الجودة في الشأن الدعوي الفردي الجماعي سواء في الحواضر أو البوادي، وتنويع الأساليب، والتيسير في الأخذ بأيدي الناس لنسير جميعا على طريق الهدى والرشاد.
وأِِؤكد أنه لاتغني هذه الإطلالة السريعة للمؤلف عن تنظيم حلقات لمدارسته والنهل منه، والاستفادة مما اشتمل عليه، ولما لا تصويبه وتقويمه، نفع الله به الأمة، وحفز به الدعاة إلى الله.