قاعدة مراعاة الخلاف
اختلف المالكية في عد أصول مذهبهم، ومن بين هذه الأصول التي اختلفوا بشأنها قاعدة « مراعاة الخلاف" فمنهم من عدها من الأصول ومنهم من أنكرها.
تعريف هذه القاعدة:
عرف "ابن عرفة" قاعدة "مراعاة الخلاف" بأنها "إعمال دليل في لازم مدلول الذي أعمل في نقيضه دليل آخر"(1) . أما ابن عبد السلام التونسي فعرفها بأنها "إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه مع وجود التعارض " (2). وعرفها حسن المشاط بأنها "عبارة عن إعمال المجتهد دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم مدلوله الذي هو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالشغار فيما إذا مات أحدهما. فالمدلول هو عدم الفسخ وأعمل مالك في نقيضه وهو الفسخ دليل آخر فمذهب مالك وجوب الفسخ وثبوت الإرث إذا مات أحدهما" (3)
المنكرون لهذا الأصل:
قال "الونشريسي": "إن مراعاة الخلاف قد عابه جماعة من الفقهاء منهم "اللخمي" و"عياض" وغيرهما من المحققين، حتى قال "عياض": "القول بمراعاة الخلاف لا يعضده القياس، وكيف يترك العالم مذهبه الصحيح عنده ويفتي بمذهب غيره المخالف لمذهب هذا لا يسوغ إلا عند الترجيح وفوت فوات النازلة فيسوغ له التقليد ويسقط عنه التكليف في تلك الحادثة"(4).
كما ذكر "الشاطبي" (5) طائفة أخرى أشكلت عليها هذه القاعدة منهم "ابن عبد البر". واختار هذا أيضا بعض شيوخ أهل المذهب من المتأخرين وحجتهم في ذلك بأن دليلي القولين لابد أن يكونا متعارضين يقتضي كل واحد منهما ضد ما يقتضيه الآخر وهو معنى مراعاة الخلاف وهو جمع بين متنافيين. قال ابن العربي:" القضاء بالراجح لا يقطع حكم المرجوح بالكلية بل يجب العطف عليه بحسب مرتبته.."(6)
المجيزون لهذا الأصل:
لقد صرح ابن رشد في المقدمات ان من مذهبه مراعاة الإختلاف هكذا بهذا الإطلاق، كما أقر هذه القاعدة ابن عبد السلام التسولي ولكن ربط ذلك بقوة الدليل فقال "الذي ينبغي أن يعتقد أن الإمام رحمه الله إنما يراعي من الخلاف ما قوي دليله"(7) . كما تعرض "المقري" لمراعاة الخلاف في القاعدة الثانية من قواعده وعدها أصلا من أصول المالكية. أما الشاطبي فبعد ما كان قد استشكل عليه الأمر فإنه بعد الحوار الذي دار بينه وبين الشيخين "ابن القباب" و"ابن عرفة" بخصوص هذه القاعدة اقتنع بها وأخذ بها وذكرها ضمن القواعد "الخمس" المآلية في كتاب الموافقات.
مراعاة الخلاف نوع من أنواع الاستحسان:
هناك من ذهب إلى أن مراعاة الخلاف نوع من الأنواع التي تندرج تحت أصل الإستحسان. فالشاطبي حين عده لأنواع الإستحسان جعل مراعاة الخلاف نوعه العاشر فقال: "إنهم قالوا إن جملة أنواع الإستحسان مراعاة خلاف العلماء وهو أصل في مذهب مالك" (8). كما أن صاحب "الفكر السامي" صنفه أيضا ضمن الإستحسان: "وتقدم لنا في الاستحسان في الطور الأول أن مراعاة الخلاف من الإستحسان فليس بزائد عليه. لكن أبو محمد رأى أن الإستحسان الأخذ بأقوى الدليلين ومراعاة الخلاف أخذ بهما معا من بعض الوجوه" (9) ، كما أن كتب الفروع الفقهية كثيرا ما نجد فيها هو "استحسان مراعاة للخلاف"..
أمثلة من قاعدة مراعاة الخلاف مما يشهد لهذه القاعدة عند مالك في الموطأ:
فالإمام مالك قد راعى الخلاف في هذه المسألة، فمن نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع وكان مع الإمام أن يتمادى لقول من قال: "إن ذلك يجزئه فإذا سلم الإمام أعاد هذا المأموم" (11).
الهوامش:
عن موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
جاء في الموطأ: "سئل مالك عن رجل دخل مع الإمام، فنسي تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع، حتى صلى ركعة، ثم ذكر أنه لم يكن كبر تكبيرة الافتتاح، ولا عند الركوع، وكبر في الركعة الثانية، فقال: يبتدئ صلاته أحب إلي، ولو نسيها مع الإمام عند تكبيرة الافتتاح وكبر في الركوع الأول، رأيت ذلك مجزيا عنه، إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح" (10) .
ننصح لأفضل مشاهدة أن تكون درجة وضوح الشاشة1024×768
للعودة إلى صفحة البداية: