أركـــان المـــوقع
الرئيسية المكتب الوطني مكاتب الفروع انشطتنا اصداراتنا خدمات اتصل بنا مذكرات تحميل

مقاربة في "دمج" المفاهيم الحقوقية في المادة الاسلامية

حقوق الانسان في المنظور الغربي:
حقوق الإنسان في المنظور الإسلامي:
مقارنة بين مواثيق حقوق الإنسان المسماة عالمية والمواثيق الإسلامية:
حقوق الانسان في المنظور الغربي:

لا شك أن المرتكز المعياري لدى معظم المتحدثين اليوم حول موضوع حقوق الإنسان يكمن في عدد من إعلانات ومواثيق حقوق الإنسان الغربية والتي اكتست بفعاليته ومنطق القوة والسلطان صفة العالمية وتجسدت في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، و"العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية"، و"العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"وغيرها.

وحركة حقوق الإنسان المنتمية إلى الحضارة الغربية وإلى الثقافة الغربية، تفتقر إلى المرتكزات الثابتة والغايات المقصورة الواضحة، وإلى المعايير الضابطة والموجِّهة. وهذا ما يجعلها في كثير من الأحيان تتأرجح وتتخبط وتسير في الاتجاه وضده حتى إنها تسير أحيانًا في خدمة الإنسان، وأحيانًا ضد الإنسان وفطرته، أحيانًا في خدمة الشعوب، وأحيانًا ضد إرادة الشعوب واختياراتها وقيمها. قال الله تعالى : (( أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَى? وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ)) (الملك:22)

ومن العواصم التي غفلت عنها النظرة الغربية استحضار البعدين الطيني والروحي في الإنسان فهي إما منكرة للروح أو محتقرة لها بجعلها جزئية وفردية وتابعة للطين فلا تعدو عندهم أن تكون بعض تجلياته.ولعل الإصرار على تجاهل البعد الروحي للإنسان هو أول توجه أيديولوجي ضال عرفه التاريخ. ومهما تكن الأوصاف والمصطلحات التي يتم إضفاؤها على النظرة المادية للإنسان وعلى التفسير المادي للإنسان، مثل الحداثة، والعقلانية، والعلمية، والموضوعية...، فإن ذلك لا يعدو أن يكون تجديدًا وزخرفة لنظرة إبليس التي لا ترى في الإنسان سوى أنه كائن طيني صنع ((مِن صَلْصَـ?لٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)). وللأسف فإن حركة حقوق الإنسان تمضي اليوم مشدودة إلى هذه النظرة، ومحكومة بهذه الفلسفة، بل إنها تزداد إيغالاً فيها. فالاحتياجات والحقوق الدينية والروحية والخلقية مغيبة أو مهمشة، والحقوق المادية الجسدية هي المهيمنة.

وهكذا نجد تدحرجا كبيرا من النظرة المعقولة عموما إلى أخرى مدمرة للإنسان ، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م، وهو أكثر نضجًا وتوازنًا من كل ما سبقه، قد تحدث بتفصيل وإسهاب عن حقوق الحرية، والمساواة، والحياة، والسلامة البدنية، والمحاكمة العادلة والعلنية، والإقامة، والتنقل، واللجوء هربًا من الاضطهاد، والتملك، وتقلد الوظائف العامة، والشغل، والأجر العادل، وحق الراحة والتمتع بأوقات الفراغ، والصحة، والرفاهية، والخدمات الاجتماعية، ومنع التعذيب والاعتقال التعسفي والنفي والمعاملة القاسية أو الوحشية.وهذا كله جيد ولا غبار عليه.

غير أن الممارسات والتطورات الجارية اليوم باسم حقوق الإنسان، وإن كانت تعتبر امتدادًا طبيعيًا لتلك.تنحو منحى خطيرا ينذر بالسوء،فباسم حقوق الإنسان تصدر النداءات والتوصيات للاعتراف بحق الشذوذ الجنسي، وبحق الزواج المثلي، وبشرعية الأسرة الناشئة عنه، وبالحق في إجهاض الأجنة ولو كانت في شهرها التاسع وبدون أي ضرورة، وبالحق في تغيير الجنس من ذكر لأنثى ومن أنثى لذكر.بل وبالحق في الموت والانتحار.وباسم حقوق الإنسان يدافعون عما يسمونه حرية العقيدة، أي عقيدة، ولو تجسدت في حركة عبادة الشيطان أو في السحر والشعوذة والوصول إلى الانتحار الجماعي.

وباسم حقوق الإنسان يضغطون من أجل تعليم الطفل الثقافة الجنسية والحق في الممارسة الجنسية. وقد يصلون إلى أن يجعلوا الثقافة الجنسية مادة دراسية إلزامية ثم يسعون بعد ذلك لكي تكون لهذه المادة حصصها التطبيقية حتى لا تبقى مادة نظرية جافة أو غير مفهومة.

وباسم حقوق الإنسان يجري هدم العلاقة الإنسانية الطبيعية والفطرية بين الرجل والمرأة، لتحويلها إلى علاقة تنافس وصراع وخصام بعد أن كانت على مر العصور وعند جميع الأمم والشعوب علاقة حب وتعلق وتكامل ووئام.رغم وجود ما يحتاج فيها طبعا إلى تصحيح.

وباسم حقوق الإنسان يحاولون إلغاء ما بين الرجل والمرأة من اختلافات وتمايزات فطرية ليفرضوا عليهما المساواة التطابقية القسرية. وباسم هذه المساواة، تحولت المرأة إلى مجال الامتهان والابتذال، تساق إليه بوتيرة وكيفية مذهلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسان.. فالمرأة أصبحت سلعة.. والمرأة مسخرة لترويج البضائع والإعلان عنها.. والمرأة للمتعة الحرام، وللمنافسة بين القنوات التلفزيونية وجلب المشاهدين لها.. والمرأة لعرض الأزياء، أو لعرض الأشلاء باسم الأزياء...!

حينما يجرد الإنسان من بعده الروحي، ويختصر في بعده الطيني، وحينما تنبني حقوق الإنسان على هذا الأساس وتوجه في هذا الاتجاه، فإننا نجد حينئذ حقوق الإنسان عبارة عن نسخة مطورة ومزيدة ومنقحة عن حقوق الحيوان.أو الجانب الطيني من الإنسان.

كما أن هذه الحركة الحقوقية تفتقر إلى البعد الأخلاقي ،إذ بدون أخلاق وبدون تخليق، ستظل حركة حقوق الإنسان دائرة حول المظاهر دون أن تصل إلى المخابر، وستظل تشتغل بالوسائل من غير تقدم في تحقيق المقاصد. وأكثر من ذلك كله، ستظل عرضة للتكييف والتوجيه والتعطيل، بحسب ما يريده أصحاب الغلبة والنفوذ وذوو النـزوات والشهوات.

والممارسة الدولية اليوم خير برها ن فمثلا القارة الإفريقية بكاملها ليس لها عضوية دائمة بمجلس الأمن، وكذلك قارة أمريكا اللاتينية، لأنهما قارتان فقيرتان. والعالم الإسلامي الذي تمثل دوله ثلث الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ليس له بمجموعه عضوية دائمة في مجلس الأمن؟ وهكذا، فالفقراء في العالم، والمسلمون في العالم (وهذه هي الأغلبية العظمى فيه) ليس لهم حق في المساواة، وليس لهم حق التقرير، ولا حق التأثير في شؤون هذا العالم ولا في شؤونهم هم أنفسهم.. فكيف يمكن التحدث عن الديمقراطية وعن الحقوق المتساوية التي هي أساس العدالة، والعدالة هي المتطلب المركزي لحركة حقوق الإنسان ؟! وهكذا أعطت بعض الدول لنفسها حق «الفيتو»، الذي أشبه ما يكون بالمقصلة التي تقطع رقاب الشعوب، وتغتال حقوق الأمم وليس الأفراد.
حقوق الإنسان في المنظور الإسلامي:

ونحن وإن كنا لا نرتاح إلى محاكمة ما لدينا وفق المواثيق الدولية وكأنها هي المرجع للصواب وهي الحكم على غيرها. لكننا لا ينبغي أن نغمض أعيننا عما توصل إليه العقل الإنساني،فهو بداية ينبهنا إلى ما غفلنا عنه في ديننا،أو فهمناه على غير وجهه المطلوب أو على الأقل بما لا يناسب زماننا، وهو ما يدعونا إلى دوام مراجعة ترجيحاتنا وتقريراتنا لا بشأن كلام الله عز وجل وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما بشأن تفسيراتنا لتلك النصوص وفق شروط الاجتهاد المعروفة لأصحاب هذه الصنعة. وهو ما يدعو للمطالبة بمزيد من البحث والتحقيق للتقرير بشأن هذه القضايا الكبيرة.

كما أن الوضعية الحقوقية في معظم بلادنا العربية والإسلامية سيئة بفعل المماراسات في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها،والتي تبرر أحيانا عدوانيتها وظلمها بادعاء الخصوصية حتى تستمر في انتهاكها لحقوق الأمة في اختيار حكامها وفي محاسبتهم وانتهاك الحقوق الأساسية للأفراد في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية والحرية الربانية الممنوحة لبني الانسان،الأمر الذي لا يمكن أن يكون فيه المسلم الواعي وخصوصا الإطار التربوي للمادة الإسلامية إلا في صف حقوق الإنسان في إطار ثوابت الدين ومصلحة الوطن.كما لا يمكن أن يكون إلا مساندا للحرية وإن بدا فيها ظاهرا بعض السيئات، ومعاديا للإستبداد وإن بدت فيه ظاهرا بعض الحسنات.

ونظرة سريعة إلى شريعة الإسلام تكشف عن الصلة الوثيقة بين مقاصد الشريعة وحقوق الإنسان، التي تعتبر واجبات والتزامات متبادلة بين الأفراد لإقامة العدل والإحسان والمساواة ورعاية شؤون الإنسان فردًا وجماعة. فالشرع الحنيف جاء أصلاً من أجل الإنسان، وتحقيق مقاصده، وذلك بجلب النفع له، ودفع الضرر عنه، وتأمين السبل الموصلة لذلك، وضمان الرعاية والعناية للحفاظ على الحقوق.

والتطبيق الحقيقي لحقوق الإنسان يكمن في التطبيق العملي للدين الحق، وهذا يستدعي العودة الجادة للالتزام بالعقيدة الصحيحة، والتدين الكامل الشامل، دون الاقتصار على الدعاية والشعارات والمتاجرة بحقوق الإنسان لأهداف استعمارية: سياسية، واقتصادية، وفكرية، وتربوية، وثقافية، ومصالح ذاتية. وقد تناول أجدادنا جملة من الحقوق التي يدندن حولها الناس اليوم فيما اصطلحوا على تسميته الكليات الخمس .

فالدين: حاجة فطرية وضرورة حياتية، وعدم «الإكراه »، تحقيق لكرامة الإنسان؛ والنفس: إشباع غريزة الحياة، إقراراً وحماية؛ والعقل: محل أهلية الإنسان وتميزه، يستلزم حق التفكير والإرادة والاختيار؛ والنسل: نزوع وحاجة أصلية للجنس الآخر، يقتضي الحق في ممارسة الجنس بالطرق المشروعة وحـماية الأنسـاب؛ والمال: تلبية لنـزعة التملك والاحتياز وما يترتب على ذلك من حق التصرف والتملك والأهلية...إلخ، ولذلك اعتبر الإسلام هذه المقاصد من الثوابت الأساسـية لاستقامة الحـياة، ورتب عـلى الإخلال بها أو الانتهاك لها عقوبات رادعة.

لقد اعتبر الإسلام الاعتداء على هذه الحقوق جريمة كبرى، وعظم أمرها، كما أنه لم يدع أمر تحـديد العقوبة لرأي البشر واجتهادهم، وإنما نص على الجريمة ونص على العقوبة وحـددها، وما العقوبات الحدية في الإسلام، أو العقـوبات المنصـوص عليها، إلاّ حماية لهذه الحقوق الإنسانية الأساسية وراجعة إليها.

ففي مجال الدين وردت في الشرع أحكام كثيرة، لبيان أحكامه وحفظه ومنع التلاعب فيه، وأعطى حق التدين حقه، وربطه بالفكر والعقل، وحرية الاعتقاد، واحترام بيوت العبادة، والمسامحة مع غير المسلمين، وعدم الإكراه في الدين، والتساوي في المعاملة المالية بين المسلم وغيره، مع تشريع العقوبة للمرتد، لأنه متلاعب بالدين، ويخالف النظام العام، ويعبث بالعقيدة، فاقتضى ذلك الحماية للدين نفسه.فحد الارتداد يحمي حق الاختيار والتدين والخروج على الجماعة والعبث بدينها (التارك لدينه المفارق للجماعة)،
وفي مجال حفظ النفس: نظم الإسلام إيجاد النفس بأفضل الطرق، وحرص على المحافـظة عليها، ومنع الانتحار، والاعتداء عليها، وأوجب القصاص على العدوان العمد، فالقصاص وحد الحرابة والفساد في الأرض، يحمي حق الحياة، فمن قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا، ويحقق الأمن الاجتماعي والنفسي، وقرر كذلك حق الحياة لكل إنسان حتى للجنين، وأباح المحظورات للضرورة عند الحفاظ على النفس، وحرم إفناء النوع البشري بأية وسيلة تدميرية.

وفي مجال حفظ العقل: كرم الله الإنسان، وفضله بالعقل، ولذلك أوجب حفظه وترشيده في الصحة الكاملة، وحرم كل ما يؤثر عليه أو يزيله وفرض حد الشرب ، ثم منحه حق التفكير، بل فرض التفكير على الإنسان، وأعطاه حرية الرأي والتعبير ضمن قيود مضبوطة.
وفي مجال حفظ النسل والعرض: جعل حفظ النسل والعرض والنسب من خصائص الإنسان، فأوجب الشرع الحفاظ عليها حتى تدوم البشرية في أنصع صورها، مع أفضل القيم والأخلاق، ومنع اختلاط الأنساب والتبني، وأسهب الفقهاء في أحكام الأسرة، وجودًا، وحفظًا، وحماية، لأنها اللبنة الأولى في المجتمع، ومحط آمال العقلاء. وشرع حد القذف حماية وصيانة الأعراض؛ وحد الزنـى حماية للنسل وعدم اختلاط الأنساب.
وفي مجال المال الذي هو بمثابة شقيق الروح، شرع الإسلام الأحكام لإيجاده وتحصيله، واستثماره، وتداوله في المعاملات المتنوعة، وأقر حق التملك، والتصرف بالمال، وأوجب فيه الحقوق لأداء الصفة الاجتماعية فيه، لتحقيق التكافل والمواساة، ليكون الملك والمال وسيلة لتأمين رفاهية الإنسان وكفايته وتلبية حاجاته.وشرع حد السرقة، إضافة إلى تحريم الغش والاحتكار والربا والميسر والغصب وما وضع لها من عقوبات تعزيرية، ليحمي حق التملك.

ورغم وضوح هذه البديهيات عندنا نحن في حاجة إلى مزيد توضيح وبيان واستخراج واجتهاد بل وتبني الصالح من مقترحات بني الانسان فلنا ميزان يعصمنا ومحجة تنجينا من مهاوي السبل.وثوابت ومرتكزات تقينا التيه والضياع والضلال.

والناظر في الحقوق المطروحة على الصعيد العالمي على تعددها يجد أنها ترجع إلى أمرين عامين: الأول الحرية الشخصية، والثاني المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية.

والمراد من الحرية الشخصية أن يكون الشخص قادراً على التصرف في شؤون نفسه وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى أو أي حق من حقوقه، على أن لا يكون في تصرفه عدوان على غيره. ومن هذا التعريف يتبين أن الحرية الشخصية تتحقق بتحقق أمور؛ وأنها معنى مكون من حريات عدة وهي: حرية الذات، وحرية المأوى، وحرية الملك، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي، وحرية التعليم. ففي تأمين الفرد على هذه الحريات كفالة لحريته الشخصية، وهذا ما قرره الإسلام في شأن هذه الحريات.

وأماالمساواة فهي شعار من أظهر شعائر الإسلام، ونصوصه وأحكامه ناطقة بتقريرها على أكمل وجوهها: وذلك أن الإسلام لا يفرق بين واحد وآخر في الخضوع لسلطان قانونه، وليس فيه فرد فوق القانون مهما علت منزلته، وأمير المؤمنين والوالي وكل واحد من الأفراد متساوون في أحوالهم المدنية والجنائية، لا يمتاز واحد بحكم خاص ولا بطرق محاكمة خاصة بل جميعهم أمام قانون الشرع سواء.

وقد تظافرت الجهود في العقود الأخيرة وتكاثرت الاجتهادات لإبراز الأصول الإسلامية لحقوق الإنسان بصورة حديثة مفصلة توج بإعلان حقوق الإنسان وواجباته الصادر عن رابطة العالم الإسلامي سنة1979 والبيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام الصادر عن المجلس الإسلامي الأوروبي1981 وفي 5 غشت 1990م، أصدر مجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام. وقد جاء في ديباجته: "....مساهمة في الجهود البشرية المتعلقة بحقوق الإنسان، التي تهدف إلى حمايته من الاستغلال والاضطهاد، وتهتدي إلى تأكيد حريته وحقوقه في الحياة الكريمة، تتفق مع الشريعة الإسلامية... وإيماناً بأن الحقوق الإنسانية والحريات العامة في الإسلام جزء من دين المسلمين لا يملك أحد بشكل مبدئي تعطيلها كلياً أو جزئياً (....) وأصبحت رعايتها عبادة، وإهمالها أو العدوان عليها منكراً في الدين، وكل إنسان مسؤول عنها بمفرده. والأمة مسؤولة عنها بالتضامن. إن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، تأسيساً على ذلك، تعلن ما يلي..".

تضمن الاعلان خمساً وعشرين مادة، تحدثت عن المساواة في أصل الكرامة والتكليف، حق الحياة، حق بناء الاسرة، حق الطفل في التربية والرعاية، حق التعليم حق العمل الذي تكفله الدولة والمجتمع لكل قادر عليه (ذكر أو أنثى)، حرية الرأي، حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من الحقوق التي تضمنتها مواد هذا الإعلان.

وأخيراً، أكدت المادة الخامسة والعشرون أن: " الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة ".
مقارنة بين مواثيق حقوق الإنسان المسماة عالمية والمواثيق الإسلامية:
- اتفاق المواثيق الإسلامية في الكثير من البنود والتشريعات مع القوانين والمواثيق الدولية.
-وجود فروق كثيرة من حيث التفاصيل أو المضامين والأبعاد الإنسانية لبعض الحقوق.من ذلك:
- الإعلان الإسلامي (إعلان القاهرة) يقيد كل المواد بأحكام الإسلام في حين يقيد الإعلان العالمي جميع الحريات الفردية بحرية الآخرين فقط.
- الإعلان الإسلامي قرر أن الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أية مادة أو توضيحها، في حين أن الإعلان العالمي لم يذكر مرجعاً مشابهاً.
-فالملاحظة الأساسية هو الاختلاف حول أصل الحقوق، من حيث تشريعها أو هبتها، فالفكر الغربي يتحدث عن الحقوق الطبيعية أولاً، ثم الحقوق المكتسبة من خلال الاجتماع الإنساني وتطوره السياسي والاجتماعي والاقتصادي. أما في الإسلام فإن النظرة للإنسان من حيث كونه مخلوقاً لله وعبداً له، وجد لحكمة الاستخلاف، فالله هو واهب الحقوق، والشريعة تحدد هذه الحقوق وتبينها. ومن ثم فإن هذه النظرة هي التي تشكل الارضية التي تنبني عليها مجمل الحقوق الإنسانية في الإسلام تشريعاً وممارسة.
- شمولية الحقوق في الإسلام، للجوانب الروحية والدينية، بخلاف الفكر الحقوقي والإعلانات الغربية التي لم تعرها نفس الاهتمام. إضافة حقوق أخرى، مثل حق الجنين، أو حق الطفل قبل الولادة، وحق، بل واجب، المحافظة على النفس أو الحياة. بينما يرى الفكر الغربي أن هبة الحياة حق ذاتي يمكن للإنسان أن يلغيه أو يتصرف فيه في أي لحظة شاء، وفي الإسلام يأثم من أقدم على إيذاء نفسه سواء جزئياً أو كليا بالانتحار مثلاً. وكذلك حق " الميت " وضرورة تكريم جسده بتغسيله ودفنه، إضافة إلى حقوق الاعداء والمخالفين التي فصلت فيها الشريعة الإسلامية أكثر من أي بيان حقوقي عالمي.
- الاختلاف حول حقوق الاسرة، وحقوق الزوجين، والآباء، وانسجام الحقوق الإسلامية مع الفطرة الإنسانية، على عكس ما جاءت به الإعلانات العالمية.
- اختلاف أساسي حول مفهوم الحرية الدينية، فالإسلام لا يرى أن من حق الإنسان المسلم أن يرتد عن دينه أو يبدله بدين غيره، فما جاء به الإسلام هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه إلى غيرها.
- الإعلانات الإسلامية تؤكد حق الإنسان المسلم في الدعوة للخير والنهي عن الظلم والشر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا حق لا وجود له في الفكر الحقوقي الغربي بشكل عام.
- حق العدالة: فمن حق كل فرد مسلم أن يتحاكم إلى الشريعة، وأن يحاكم إليها دون سواها: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول). (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم).
خصوصيات بعض الحقوق والرد على الشبهات:
- لا عبرة بأصل أو جنس أو لون أو لغة إلا بالتقوى ( التمييز على أساس الدين ) والتقوى أمرها إلى الله،فالمسلمون سواسية،وحقوق أهل الذمة مضمونة ( يقابله عند غيرنا حقوق الأقليات والأجانب فلا تكون بالضرورة متساوية مع المواطنين).
- للمرأة بعض الخصوصيات لاختلاف وظيفتها في تكامل مع الرجل (التمييز على أساس الجنس).وشيء من التمييز الإجابي تنادي به كثير من المنظمات الحقوقية مثل: منع النساء من العمل في الأعمال العنيفة أو القاسية: كعمل المناجم أو حمل الأثقال، وإقالتها من العمل في المناطق النائية، وحمايتها من العمل في الأوقات المتأخرة، وكفالة حق المرأة في إجازات إضافية تمنح لها بسبب طبيعتها الخاصة نتيجة الحمل أو الرضاعة أو رعاية الوليد.الأمر الذي ينفي وجود مساواة ميكانيكية.
- الحرية مكفولة في حدود ما يسمح به الشرع ومن ذلك:
- حرية التعبير منضبطة بحماية المقدسات المعتبرة في الشرع شأن كل الأمم مع اختلاف نوع المقدسات (فعند غيرنا مثلا: العلمانية،العنصرية،الديموقراطية،الحدود الترابية،العلم،نظام الحكم،الخيانة العظمى...) (وعندنا الردة طعن في الدين وتحد للأساس الذي يجتمع عليه الناس وينظمون به شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها وفيه تحد لاختيار الأغلبية، وفي وسعه إضمار الكفر وإظهار الإسلام شأن المنافقين،إذ ليس هناك إلا مؤمنون أو معاهدون وأهل ذمة ومستأمنون وأهل نفاق.) فمثلا: لا يسمح بأدب خليع وفكر يعادي الغيب والتوحيد والايمان، ويشكّك بضروريات الدين، باسم العقل والعلم،
بين الماضي والحاضر:

قصة جبلة بن الأيهم أيضًا مع الأعرابي دلالة على المساواة التي أشاعها الإسلام في مجتمعه بين الناس جميعًا: فـ «بينما كان جبلة بن الأيهم، أحد ملوك الغساسنة، يطوف بالكعبة، بعد أن أسلم، وإذا أحد الطائفين يدوس على إزاره، فالتفت إليه مغضبًا، ثم لطمه على خده، فقال له هذا الطائف: لأشكونك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وبين يدي عمر بث الرجل شكواه. فاستدعى عمر جبلة وسأله: أحقًا ما يقول الرجل أنك لطمته على خده؟
قال جبلة: نعم، ولولا أننا أمام بيت الله لقطعت أنفه بسيفي هذا. فقال له عمر: ولم؟
فأجابه جبلة: لأنه داس على إزاري وأنا أطوف بالبيت.
عندها قال عمر: اختر لنفسك واحدًا من أمرين: إما أن تعتذر له وتترضاه وإما أمرته أن يلطمك. فدُهش جبلة الملك الغساني من حكم عمر، وقال له: كيف تسوي بيني وبينه! إنما أنا ملك وهو سوقة؟ قال له عمر: إن الإسلام سوى بينكم، فلا فرق بين الملك والسوقة.. فقال له جبلة: أجلني حتى اختار. فأجله عمر ثلاثة أيام. فلما كان الله عليه?الليل هرب مع حاشيته إلى بلاد الروم» (انظر قبسات من حياة الرسول صلى وسلم لأحمد عساف).
وهنا نلاحظ كيف هرب جبلة من مجتمع المساواة وحقوق الإنسان التي كانت سائدة في عصر عمر، الخليفة الراشد رضي الله عنه، ليلتحق بالروم، المجتمع الطبقي.. أما اليوم، وبعد أن غابت أحكام الشريعة عن واقع الكثير من المجتمعات المسلمة حيث يشيع الظلم، فالناس يهربون إلى المجتمعات التي تراعي حقوق الإنسان.
محمد بولوز

ويرى الباحث المغربي أن الخطاب الدعوي لا بد أن يتناسب مع معطيات العصر الذي يعيشه، فالخطاب الدعوي قبل أربعين سنة والناس ليس عندهم إعلام وجرائد ومجلات وفضائيات، ليس هو الخطاب الذي وجب أن يسود مع كل هذه الوسائل.

ويضيف بولوز أن خطيب الجمعة مثلا هو الموجه الأسبوعي وهو الشيخ الذي يحترم وأي كلام يقوله يبجل، واليوم خطيب الجمعة إذا لم يكن قوياً في خطبته أو في درجته العلمية أو لم يكن الناس مقتنعين به لم يكن له التأثير المرجو، وذلك لأنه يزاحمه المتحدث في التلفاز والشريط، لذلك فتجديد الأساليب وتنويعها، كالاستعانة ببعض الإحصاءات وغيرها، فالناس اليوم قد لا يقتنعون أحياناً إلا بمثل هذه الأساليب فعندما يتحدث الخطيب عن الخمر ويقوي كلامه بإحصاءات انتشار الخمر والجرائم المترتبة عنه إضافة إلى ذكر النصوص الشرعية يكون أنفع وأجدى".
وتحدث بولوز عن المحددات التي تؤطر الخطاب الدعوي للشباب، ومنها:

ما ورد في كتاب الله مما ذكر فيه الشباب، مثل قصة يوسف وما فيها من تربية وتوجيه للشباب نحو العفة، وكذا قصة إبراهيم مع والده الكافر حيث لم يمنعه اختلاف العقيدة عن الحفاظ على الاحترام الواجب للوالدين والذي تجسده العبارة اللطيفة "يا أبت"، وكذا قصة أهل الكهف وما فيها من دلالات كون الشباب حملة الرسالة في زمن الفتن والغربة، ثم ما في قصة لقمان من توجيهات عظيمة في العقيدة والعبادة والأخلاق والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعظم قصص الأنبياء هي قصة شباب آمنوا بربهم وزادهم هدى وبصيرة ونورا وكلفهم بتبليغ الرسالة، وكان معظم من استجاب لهم من الشباب عندما خذلهم كثير من الشيوخ".

وأردف بولوز ما ورد من ذكر للشباب في السنة والسيرة النبوية، مستدلا بأمثلة منها الشاب الذي نشأ في عبادة الله مع السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ولأهمية فترة الشباب تفرد عن العمر في الحساب بين يدي الله فليس من منح شبابه للدين واستمر على ذلك حتى مات عليه كمن تدين في شيخوخته فقط.
وأوضح بولوز الأساليب في الدعوة التي وردت في القرآن واستخدمها الأنبياء والدعاة المصلحون من بعدهم، ومنها:
• أسلوب الشرح والتفصيل للدعوة التي هي من أصول الدين.
• أسلوب المقارنة بين دعوة الحق والدعوات الأخرى كأهل الكتاب.
• أسلوب الرد على الشبهات والمفتريات.
• أسلوب التعهد والتربية والإعداد.
• أسلوب التصنيف والتوظيف.
• أسلوب الترغيب والتبشير.
• أسلوب الترهيب والتهديد.
--------
(الثلاثاء 6 ربيع الأول 1430 الموافق 3 مارس 2009)
إعداد: حسن الأشرف

ننصح لأفضل مشاهدة أن تكون درجة وضوح الشاشة1024×768

للعودة إلى صفحة البداية:

إضغط هنا

صورة