الطاعة المبصرة تمنع الانفلات ولا تعوق الإبداع-ذ.محمد بولوز..
شيء جميل هو تجديد الأفهام كما هو تجديد الإيمان، وجميل أيضا الاستمرار في طرح السؤال وتحريك الراكد من الأفكار والمسلمات، والأجمل من ذلك اصطحاب البصيرة للبحث عن الأفضل والأحسن، والعقل يستوجب عدم التفريط فيما جرى عليه العمل واستقرت عليه الأوضاع وثبت نفعه وتحققت جدواه لمجرد أنه "قديم" وخصوصا إذا كنا في عالم المبادئ والمنطلقات، إذ الحق نفسه قديم تعرفه الفطر السليمة إذا تخلصت من شر محدثات البيئة المحيطة. ويجب الاحتياط أكثر إذا كان البديل المقترح يلفه الغموض، أولا يطرح تقابلا وتعارضا مع الموجود.
و لا شك أن طول الطريق والإحساس بالإرهاق والتعب والعياء، يؤدي إلى التساؤل عن جدوى السير ويحرك البحث عن اختصار الطريق أو على الأقل البحث عن تخفيف المعاناة وعن محطات استراحة وعن النظر في المركوب من الوسائل، تشبه هذه الصورة إلى حد كبير مسيرة العمل الإسلامي، فقد أتى عليه حين من الدهر كانت للناس فيه مسلمات وقواسم مشتركة يعتبرونها من الأسس وأوتاد الخيمة، وإذا بالسؤال يطال الجدوى من الجلسة التربوية والعمل الجماعي المنظم والطاعة التي تنظم العلاقة بين القيادة وعموم الأعضاء وحتى مبدأ إقامة الدين... !
فوجد في أبناء الحركة الإسلامية من يطرح مجرد ارتباط "البطاقة" مع التنظيم أو الاكتفاء بالعاطفة التي لا تشفعها جلسة ولا مساهمة مالية، ومن يدعو إلى حل التنظيمات والاكتفاء ب"التجمع الفطري" أو التيار الذي لا يجمعه نظام أو التزام، وقريب من هذا الطرح من يتوجه إلى مبدأ الطاعة ليعوضه بعموميات التعاون وعلاقات الوفاء، وكأنه يصعب بين هذه المبادئ التعايش والتكامل.
والسؤال الذي يطرح نفسه على هذا المعنى الأخير، لماذا وجدت الطاعة في الدين وفي تاريخ ممارسته جنبا إلى جنب مع مبادئ الوفاء والتعاون إذا كان يعوض بعضها بعضا ويقوم بعضها مقام بعض؟ وهل كان فقط سلطان الطاعة يهم العلاقة بين الحاكم السياسي والرعية، حتى يستكثر على الحركة الإسلامية أن تجعله بجانب الأخوة والتناصح ناظما لعلاقاتها؟ وهل هناك تعارض بين الطاعة وبين وجود مواثيق ومؤسسات وهيئات وتعاقد؟ ثم متى كان سوء استخدام مبدأ بعينه سببا للدعوة لتجاوزه أوالتخلي عنه ؟
فالطاعة هي الأصل في الكون من بدايته إلى أن يأذن الله بالتحول والانقلاب فيه، قال تعالى في شأن البداية:" ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" وقال سبحانه في شأن النهاية " إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ " قال البخاري في صحيحه في باب ما جاء "إذا السماء انشقت وأذنت": سمعت وأطاعت. وشاءت قدرته سبحانه أن يمنح جانبا من الحرية في الاختيار للإنس والجن، وأصبح الأصل عندهم أن لا عبادة ولا طاعة لهم لأحد إلا الله ومن أذن الله له في ذلك، من الأنبياء وأولي الأمر بالمعروف. فلم يعد للناس من سلطان على بعضهم إلا بما أذن فيه ربهم، أو أرشدتهم إليه عقولهم استرشادا بالكون المنظم من حولهم.
قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" قال الظاهر بن عاشور"وأولي الأمر" يعني ذويه، وهم أصحاب الأمر والمتولون له. والأمر هو الشأن، أي ما يهتم به من الأحوال والشؤون، فأولوا الأمر من الأمة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذوو الأمر وأولوا الأمر، ويقال في ضد ذلك: ليس له من الأمر شئ. ولما أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أن أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معينة، وهم قدوة الأمة وأمناؤها، فعلمنا أن تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية، وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إما الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلمين إذا لم يكن لهم سلطان، وإما صفات الكمال التي تجعلهم محل اقتداء الأمة بهم وهي الإسلام والعلم والعدالة، فأهل العلم العدول: من أولي الأمر"
فحسب تفسير ابن عاشور كل من تولى شيئا من شؤون المسلمين صغيرا كان أو كبيرا يصلح أن نطلق عليه عبارة "ولي الأمر فيه " وهذا النظر هو الصواب والله أعلم، بحيث ينسجم مع قول النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" بدءا بالحاكم العام إلى مختلف أصناف ولاته ونوابه وقواده ونقبائه ، والرجل في بيته، والمرأة مع أولادها وخدمها، ومسؤول الركب في السفر، والرئيس في الحزب والمنظمة والحركة والجمعية، وتبقى الطاعة في دائرة الاختصاص المحدد تتسع أو تضيق، ينتظمها المعروف من التشريعات والتنظيمات والقوانين والعقود والأعراف والتقاليد المرعية والعهود والمواثيق والهيئات والمؤسسات، بما لا يتنافى مع الشرع ولا يقع خارج الوسع ولا يحرم من النقد والنصح والإبداع.
كما تكون أولوية الطاعة منضبطة عند حدوث التعارض بين الدوائر، بتقديم الأوسع والأعم. فلا طاعة للحاكم في معصية أحكم الحاكمين، ولا طاعة لمسؤول منطقة جغرافية أو تنظيم سياسي أو حركي أو نقابي أو ثقافي أو ركب مسافرين في معصية الحاكم الشرعي العام، وذهب الفقهاء إلى عدم وجوب طاعة المرأة زوجها والإبن أباه إذا منعا من جهاد الدفع عندما يداهم العدو ديار المسلمين.إعمالا بمبدأ أولويات هذه الدوائر.
وبخصوص التجمعات الإسلامية والحركية يقول الشيخ. مدثر أحمد إسماعيل في مقاله" مفهوم الاتفاق في العمل الإسلامي": نريد من الجميع أن يدركوا أن ولاءهم لجماعاتهم يكون في إطار ولائهم للجماعة الأم: جماعة أهل السنة والجماعة، وأن لا يقدموا المصلحة المتوهمة لجماعتهم الصغيرة على المصلحة الشرعية الحقيقية للجماعة الكبيرة. فلا ترفع أسماء ورايات يدعى الناس إليها، ويترك الأصل الذي ينبغي الدعوة إليه، ولا تكون هذه الأسماء داعية للتعصب لشخص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكون هذه الأسماء هي ما يعقد عليها الولاء والبراء، بل الموالاة والمعاداة تكون على الإسلام، والدعوة تكون إلى جماعة أهل السنة، وليس إلى جماعة فلان أو طريق فلان"
فالطاعة المبصرة ليست مجرد انضباط والتزام بالمقررات وتنفيذ للمشاريع والمخططات ، وإنما هي عبادة يتقرب بها المومن إلى ربه، يبذلها كريمة بها نفسه في المنشط والمكره ابتغاء الأجر والثواب، وتزكية لنفسه من الأنانية الصغيرة التي يخشى من غلوائها وأهوائها مقدما مصلحة المؤسسة والجماعة والأمة، يؤثر أن يكون ذيلا في الحق خادما للمبدأ والغاية، على أن يكون رأسا في الجهل والظلم لنفسه وجماعته وأمته
ننصح لأفضل مشاهدة أن تكون درجة وضوح الشاشة1024×768
للعودة إلى صفحة البداية: